أسنانكم تتحدَّث إليكم

أسنانكم تتحدَّث إليكم

 // د. هدى فاخوري //

  

القواطع المبتسمة

قضمت باسمة قطعة من الجبنة البيضاء الشهية، ففرحت الأنياب والضواحك والأضراس، ومضغت قطعة الجبن بتلذذ ظاهر.

ابتسمت القواطع وقالت لزميلاتها المختبئات في فم باسمة الجميل: نحن نحبّ هذا النوع من الأجبان، فهو يساعد على بناء المينا والعاج لأنه يحتوي على الكالسيوم.

ضحكت باسمة بدورها وقالت: أنا أحب الابتسام ليظهر جمال أسناني الأمامية، أنا أعتني بها يوميا، أنظفها، دائما، بعد تناول الطعام بالفرشاة والمعجون، ولا أكسر الجوز واللوز القاسي بها، ولا آكل «البزور» التي تترك أثرا واضحا يشوه منظر أسناني. كما أنني آكل التفاح والجزر مقطعاً على شكل رقائق، لأنني أحس أن قضم التفاحة كاملة دون تقسيم، يضغط بشده على اللثة ويؤذيها، كما يؤثر على مفصل الفك السفلي أحياناً.

على فكرة، عندما قرأت نصاً من كتاب القراءة هذا الصباح في المدرسة، قالت المعلمة:

لفظك سليم يا باسمة، أنت تلفظين حرف السين الهامس بطريقة جذابة. أدركت حينئذٍ أن أسناني تساعدني على اللفظ السليم، وتظهر جمال فمي عندما أبتسم، كما أنها تساعدني على قضم الطعام إذا لم يكن صلباً أو قاسياً.

أشقّاء ثمانية، أربعة منهم في الفك العلوي وأربعة في الفك السفلي، يصطفّون إلى جانب بعضهم البعض متجاورين متضامنين، وعندما يلتقي الفكان السفلي والعلوي في حالة بلع اللعاب التي تتكرر عشرات المرات في الساعة، وعند مضغ الطعام، نحس أن هذا اللقاء مفيد لنا ومحبّب، ونهمس لبعضنا بعضا: إن باسمة تأكل بشهية، وتمضغ الطعام بتمهل، ونحن سعداء بسلوكها الرائق.

ولكن شقيق باسمة، كاظم، لا يهتم بأسنانه؛ فقد شاهدناه يحمل بأسنانه الأمامية كرسيّاً بلاستيكياً ليثبت لأصدقائه أن أسنانه الأمامية قوية. هذا سلوك غير سليم؛ فهو يؤذي الأسنان ويقطّع الروابط التي تربطها بعظام الفكين. ونحن نرى أسنان كاظم تتألّم وتشكو أحياناً، ونظنّ أنَّه سيخسرها إذا استمر في ممارسة هذا النمط من التسلية.

نحن القواطع الأمامية الثمان نعلن للجميع أننا نحب أنْ نعيش بصحّة سليمة، فنبتسم ونمضغ الطعام بالتعاون مع الأنياب الأربع والضواحك الثمان والأضراس الثمان. وهذا، طبعاً، قبل بزوغ أضراس العقل الأربع.

فيا أيها الأصدقاء، رفقاً بنا، ودعونا نزور طبيب الأسنان مرّةً كل ستة أشهر؛ لكي نتمكّن من الاستمرار بالحياة معكم لأطول مدة ممكنة.

 

الأنياب الباسمة المتوحشة!

نحن الأنياب التي تعطيكم شكلاً جذّاباً، وتدعم شفاهكم العلوية.

نستقرّ في أفواهكم على شكل أسنان صغيرة مع «الأسنان اللبنية».

وفي موعد تبديل الأسنان الدائمة بأسنان الحليب، في عمر السادسة تقريباً، نبطئ في النمو حتى العاشرة ليكبر الفكّان ويصبحان قادرين على إفساح المكان المناسب لنموّنا على جانبي القواطع.

نصطف إلى جانب القواطع؛ ناب في كل جهة. عددنا أربع، اثنان في الفك العلوي، واثنان في الفك السفلي.

ننمو في الفكين، العلوي والسفلي، بشكل شبه مستقيم، نميل قليلاً باتجاه الوسط، ولنا رؤوس حادة تتميز بأنها على شكل مثلث، ولحسن حظنا، لدينا أطول الجذور في الفكين.

نحن أعمدة البيت الأربعة، نشكل مع القواطع ما تسمونه بالأسنان الأمامية التي تمنح الإنسان ابتسامته الجميلة، وتعطيه مظهراً جذّاباً، وتميزه عن الحيوان.

لنا مهمات عدة، وأسلوب عملنا يتَّسم بالقوة والشراسة والنعومة.. في الوقت نفسه. ومِنْ مهمّاتنا: تقطيع اللحوم والألياف عند القضم، وإعطاء ابتسامتكم مظهرها الجميل.. فإذا فقد أحدكم النابين في الفك العلوي، أصبح شكل شفته العلوية مضحكاً، لأنها تكون قد فقدت الدعم الذي نمنحه لها. تناقض واضح في الوظائف! أليس كذلك؟

وإذا نظرتم إلى شكل الأنياب في الحيوانات المفترسة.. مثل الأسد أو النمر، فستلاحظون قيمة الأنياب وأهميتها.

أما في فم الفرس، فإن الخبراء يحددون عمر الفرس من شكل أنيابها، وعندما تصبح الفرس معمرة، فإن صاحبها يستخدم مبرداً كبيراً لبرد حوافّ الأنياب ليخفّف الألم الذي تعاني منه عندما تمضغ الطعام.. بسبب الانسحال الذي يحدث نتيجة الاستخدام الطويل.

نصيحتي لكم أن تهتموا بالأنياب بشكل خاص، وتحافظوا على شكل المثلث الحاد الذي يميّزها، لأنه رمز الشباب والصبا.

هناك مقولة شعبية شائعة، يلجأ إليها المسنّ عندما يريد أن يفتخر بخبراته وتجاربه في الحياة؛ إذ يقول: «أنا أنيابي مخلعة من التجارب». وهذا يعني أنه إذا فقد الإنسان أنيابه، فهو مسن، ويملك حكمة الكبار.

آخر ما نرغب به هو مغادرة أفواهكم، فقد تطور الطب وأصبح بإمكان الكبار أن يمتلكوا الحكمة مِنْ دون فقدان الأنياب.

 

الضرس الضاحك                                                      

 

نظر الضرس الضاحك حوله، فاكتشف أن شقيقه التوأم المجاور له من الجهة اليسرى قد اختفى. حزن كثيراً، بل فزع، ولكنّه عندما نظر إلى الجهة الأخرى، رأى الناب يبتسم له ابتسامة حنونة.

ردَّ على الابتسامة بأحسن منها، وكذلك فعل أشقّاؤه الستة الأخرون في كل أنحاء إمارة الفم التي يعيشون فيها.

قال الضرس للناب: نحن أشقَّاء ثمانية، نعيش داخل هذه الإمارة اثنان في كل ناحية، ونجاور الأنياب من جهة والأضراس من الجهة الأخرى.

تساءل الناب: لماذا حزنتم، إذن، عندما فقدتم ضرساً واحداً؟

أجاب الضرس الضاحك المنكوب بفقدان جاره وشقيقه: نحن الضواحك الثمانية أشقّاء متحابّون منذ لحظة بزوغنا في الفم في عُمر يتراوح بين عشرة أعوام واثنتي عشر عاما، ومن المستحسن أن نعيش العمر كله معا، وإذا فُقِد أحدنا بسبب التسوس مثلا، نحزن.. لأننا لا نحب الفراق.

ابتسمت الأنياب الأربع في فم باسمة وقلن للضواحك: سنطلب من باسمة أن تتحدث مع طبيب الإمارة ليعوضكم عن فقدان شقيقكم، وسنعود للابتسام معاً ضواحك وأنياباً وأضراساً بالتعاون والتضامن مع القواطع الأمامية في الفكين العلويّ والسفليّ.

بعد لحظات، مدت باسمة يدها وأمسكت بقطعة جبنة بيضاء ومضغتها، فقالت القواطع: هذا طعامٌ لذيذ.. شكراً يا باسمة، ولكن، نحن بحاجة لشربة ماء، أرجوك أن تسقينا لننتعش ونبتسم لك ابتسامة الرضا والمحبة.

 

الأضراس الطاحنة

نحن العائلة الأساسية في أفواهكم، نحن الذين نقوم بمضغ الطعام وطحنه ليصبح قابلاً للبلع.

عددنا الكليّ ثمانية أضراس أو طواحين، اثنان في كل جهة من كلّ فكّ. وهذا يعني أربع أضراس في الفك العلوي، وأربعاً في الفك السفلي.

نعيش بين أضراس العقل التي تبزغ في الفكين بعد عمر الرابعة عشرة، وبين الضواحك الثانية.

تخلق لنا أضراس العقل مشاكل عدة، فهي تأتي متأخرة دائماً، وغالباً ما يتعذّر عليها إيجاد مكانٍ ملائم لها، فتضغط علينا وتؤذينا، ويبدأ الألم ينخر أعصابنا نتيجة لهذا الضغط المفاجئ. ولذلك، فعندما يقرر طبيب الأسنان التخلص من ضرس العقل في بعض الأحيان، نحس بسعادة غامرة، ونقول له وداعاً.. وداعاً إلى الأبد؛ فلن يكون هناك لقاء في ما بعد.

لنا وظيفة أخرى مهمّة غير المضغ والطحن؛ نحن نشكل رافعة لا غنى عنها لعضلات الفكين، ونعطي للوجه الشكل الصحيح؛ بدليل أنه إذا حصل وخسر الإنسان طواحينه، يصبح وجهه مقعراً. ومعروف أنَّ النساء يحببن أنْ تكون وجوههن مستديرة.

ننصحكم أن تمنحونا بعض الحب، وأنْ تواظبوا على استخدام أدوات التنظيف الخاصة، لكي نتخلّص مِنْ بقايا الطعام المطحون، ونحصل على النظافة المطلوبة، ونظل عاملين في خدمتكم

على أحسن وجه العمر كله.

 

الأضراس العاقلة

 

نحن آخر قبيلة من قبائل الأضراس الطاحنة، نتمهل كثيرا قبل أن نبزغ في الفم، وعادة ما نجد صعوبة في الاصطفاف إلى جانب الأضراس الأخرى؛ لأننا نأتي متأخرين.

نبدأ بالتململ والتحرك.. عادة بعد عمر الرابعة عشرة، نحاول البحث عن مكان مناسب في الفكين العلوي والسفلي ليصبح وجودنا علنياً، وتكتمل العائلة التي تتكون من اثني عشرة ضرساً (طاحونة)..

ثلاثة في كل جهة، ويصبح عدد الأسنان في الفكين اثنين وثلاثين سناً وضرساً.

عندما لا نجد لنا مكاناً ملائماً في الفم في بعض الأحيان، نميل باتجاه الضرس الثاني في الفك، وفي أحيان أخرى نتمدد بشكل افقي ولا يكون هناك وسيلة لبزوغنا فنسبب الكثير من المتاعب والألم، ونظل نضغط ونضغط الى أن يذهب الشخص الذي يمتلكنا الى الطبيب الجراح، فيفتح لثّته والعظم، ويقلعنا، ويقذف بنا الى سلة المهملات.

يا خسارة!! نذهب الى المجهول بديلاً عن الوجود كمساعدين فاعلين في أحد الفكين، ويخسرنا صاحبنا إلى غير رجعة.

ولكن، مهلاً.. هناك بشرى سارة لنا ولكم، فقد اكتشفوا مؤخراً أن لب ضرس العقل (العصب)، وكذلك لب أي ضرس، بما فيها أضراس الحليب، قد تكون مفيدة في تعويض الأنسجة والأعضاء التي يصيبها المرض أو تُفقد عن طريق ما يسمى «الخلايا الجذعية، أو ما يشبهها».

لا نهاية للاكتشافات العلمية، وبفضلها سنحفظ – نحن الأسنان – في «قلوبنا»، أقصد في «ألبابنا»، الصفات الوراثية للإنسان. لهذا نأمل أن تحتفظوا بنا في البنوك الخاصة بالأعضاء، فقد نكون منقذين للحياة للكثيرين من الذين خبأوا بعض أضراسهم ليوم «عازة».

بقي السرّ الذي لا بد من إفشائه لكم، وهو لماذا تمّ تشريفنا بهذا الاسم المميّز (أضراس العقل) يا ترى؟

أقول لكم: ذلك لأننا نبزغ بعد بلوغ الإنسان عمر الرابعة عشرة وحتى الثامنة عشرة وما فوق. ويفترض أن هذا عمر التعقل والمعرفة والتفكير العميق.

نحن لا نضيف شيئاً لمن امتلك نعمة العقل الراجح، ولكننا نساعد في تذكير الانسان أن عمر الطفولة قد ولّى، ولا بد من دخول عالم الناس الناضجين البالغين.. شئتم ذلك أم أبيتم.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *