أبو أحمد فؤاد لـ« هكذا»: خيارنا هو المقاومة بأشكالها كافَّة

أبو أحمد فؤاد لـ« هكذا»: خيارنا هو المقاومة بأشكالها كافَّة

// د. عماد الحطبة// – أعدَّ الأسئلة وأجرى اللقاء.

 

 

تُعرِّف الجبهة الشعبية عن نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها: «حزب سياسي كفاحي يعمل لتوعية وتنظيم وقيادة الجماهير الفلسطينية من أجل استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس كهدف مرحلي على طريق تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية التي يعيش مواطنوها جميعاً بمساواة كاملة مِنْ دون تمييز في الحقوق والواجبات وبمعزل عن اللون والعرق والجنس والمعتقد. وهو يناضل من أجل إقامة مجتمع اشتراكي خال من الاستغلال، قائم على المبادئ الديمقراطية والإنسانية على طريق تحقيق مجتمع عربي اشتراكي موحد».

 

والجبهة الشعبية تُعتبر الامتداد الفلسطيني لحركة القوميين، وقد اشتُهرت في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته بالعمليات العسكرية الخارجية، كما نفذ فدائيوها مئات العمليات ضد العدو الصهيوني.. أشهرها عملية اغتيال الوزير الصهيوني رحبعام زئيفي، انتقاماً لاغتيال أمينها العام أبو علي مصطفى. ولهذا السبب فهي التنظيم الفلسطيني الوحيد الذي تعتقل قوات الاحتلال أمينه العام القائد المناضل أحمد سعدات.

 

الرفيق اللواء أبو أحمد فؤاد، نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومسؤولها العسكري سابقا وقائدها الفعليّ راهناً، المقيم حاليا في دمشق، لا تكاد تمرّ مناسبة أو حدث وطني إلا وتجده في مقدمة الصفوف. إنَّه أحد الأصوات الفلسطينية التي تعمل على بقاء حضور قضية فلسطين في فضائها العربي، لذلك فأنت تلتقيه في تونس أو بيروت أو دمشق أو الجزائر وسواها من العواصم والحواضر العربيّة. وقد أجرى «هكذا» المقابلة التالية معه، وسأله عن الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين والوضع الفلسطينيّ والأوضاع العربيّة في الوقت الحاليّ، وتالياً نصّ المقابلة، التي أجراها الدكتور عماد الحطبة، عضو هيئة تحرير «هكذا»:

 

− الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين انطبق عليها قول العرب «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، لماذا تراجع دورها وحضورها بعد انتهاء الانتفاضة الأولى وتشكيل السلطة الفلسطينية؟ هل تعتقدون أن غياب القيادة التاريخية للجبهة كان أحد العوامل المؤثرة؟

 

• كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لعدة عقود بعد انطلاقتها في انطباق مع قول العرب «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، وقد لعبت دوراً محورياً ورئيسياً في الانتفاضة الأولى، وكلنا يذكر حينما اعتقلت قوات الاحتلال في الأشهر الأولى للانتفاضة، ما يزيد عن المئات من كوادر وقيادات ميدانية للجبهة من مختلف مناطق الضفة المحتلة وما خرجت به وسائل الإعلام الصهيونية – آنذاك – بالقول (إن الاحتلال قد وجه ضربة قاصمة للنواة الصلبة في الانتفاضة). نعم، إن تعقيدات قد فرضت نفسها على النضال الفلسطيني المقاوم، بعد اتفاق أوسلو، وأصبح هناك سلطة فلسطينية كإفراز رئيس لهذا الاتفاق، ونجم عن ذلك، التنسيق الأمني بمختلف أشكاله ومسمياته.. الخ، وتداعياته على الحالة الكفاحية للفصائل الفلسطينية المقاومة، وقد يكون هذا من الأسباب الرئيسية، لما جرت الإشارة له في السؤال، أما عن غياب القيادة التاريخية للجبهة، مما لا شك فيه، أن هناك تأثيرات بشكل ما، وبقدر ما على واقع الجبهة، لكن ليس إلى القدر الذي يمكن اعتباره عاملاً رئيسياً في صورة واقع حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين راهناً.

 

− نلاحظ أن القوى اليسارية العربية عموماً، والفلسطينية خصوصاً، لم تعد تمتلك خطابها ومشروعها الوطني الخاص، وهي في معظم الأحيان تلهث خلف المشاريع اليمينية.. خصوصاً المرتبطة بالإسلام السياسي؛ لأن خطابه أكثر راديكالية. لماذا خسر اليسار العربي موقعه المتقدم في حركة التحرر الوطني العربية؟ ولماذا لم يجد لنفسه دوراً في الهبّات الشعبية العربية التي اندلعت في مطلع هذه العشرية وتحولت بفعل اختطافها من قبل المشروع الرجعي الى عوامل لتهديم الأوطان؟

 

• أعتقد أنَّه من الظلم، إن لم يكن من التجني، إطلاق القول، بأن القوى اليسارية العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً، لم تعد تمتلك خطابها ومشروعها الوطني الخاص. وحتى لا يكون الكلام مطلقاً على عواهنه، من الضروري تحديد ما هي المشاريع اليمينية المرتبطة بالإسلام السياسي التي – كما تقول – لهثت بها القوى اليسارية الفلسطينية خلف الإسلام السياسي. ثمّ أين هي الراديكالية في خطاب الإسلام السياسي؟ هل في الدعوة إلى دولة الخلافة؟ أم الدعوة إلى الإمارة الإسلامية؟ ومِنْ ناحية أخرى، هل الدعوة إلى رأب صدع الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني، تُعتبر لهاثاً خلف الخطاب الإسلاموي؟

 

إن تعقيدات ما حدث ويحدث في الدول العربية، خصوصاً في العقد الأخير، جعلت من الصعب على قوى التغيير الاجتماعي الديمقراطي أن تكون في طليعته. وذلك لسلسلة من الأسباب الموضوعية، أبرزها جنوح غالبية هذه الحراكات إلى التطرف المذهبي والعقدي التكفيري عبر الدفع من قوى إمبريالية عالمية، وأخرى عربية محلية، وثالثة قوى ودول إقليمية، وانحراف غالبية (ما سمي ربيع عربي) عن الأهداف والشعارات الديمقراطية، وعن شعارات العدالة الاجتماعية ومقاومة التدخلات الغربية في الشأن العربي. وهناك أيضاً الدور الإسرائيلي التخريبيّ في غالبية البلدان العربية.. لا سيما سوريا والعراق. وإنَّ شواهد اللعبة الدولية والتي استهدفت بلدان الطوق حول فلسطين، تتدعم كل يوم. ومن السهل استدعاء العشرات من الأمثلة والشواهد على ذلك. عموماً، ما حدث في الإقليم، ليس ثورات اجتماعية ديمقراطية، هي في أحسن أحوالها (فوضى مدمرة، لممكنات، ومقومات، وقدرات الدول العربية، بما يوفر الأمن والأمان لدولة الاحتلال (فوضى هدامة) وليس كما قالته كونداليزا رايس (فوضى خلاقة). وإذاً، فكيف لأحدٍ أنْ ينتظر مِنْ قوى اليسار العربي عموماً، والفلسطينية منها خصوصاً، أنْ تكون في طليعة هكذا مشروع استعماري استهدف الأمة العربية كلّها في وجودها التاريخي والإنساني والحضاري؟!

 

− تُعتبر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين «الوريث الشرعي» لحركة القوميين العرب، وكانت لها صولاتها وجولاتها من ظفار في عمان وحتى موريتانيا على ساحل الأطلسي، لماذا نشعر أن التنظيمات التي امتلكت ذات يوم آفاقاً قومية وأممية تعاني اليوم من ردة قطرية؟ ألم تُنضج الهجمة الإمبريالية الجديدة على أمتنا الظروف لإعادة الاعتبار للعمق القومي لكل قضايانا وفي مقدمتها قضية فلسطين؟

 

• لا شك، إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هي الوريث لحركة القوميين العرب بحكم كل الظروف والاعتبارات والروابط؛ فالرفيق المؤسس جورج حبش، لم يكن رفيقاً مؤسساً لكل من حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكفى؟ بل كان أيضاً الأب الروحي للعديد من الحركات القومية والعروبية والوحدوية.. وأنا لا أعتقد أنه دقيقٌ القول إنَّ التنظيمات التي امتلكت آفاقاً قومية وأممية تعاني اليوم من ردة قطرية؟ وإذا كان ذلك صحيحاً، فما هي تلك التنظيمات؟ وكيف آل حالها إلى النحو الذي تلمّح إليه في سؤالك؟ الأمر عكس ذلك، فهناك العديد من الأطر القومية، والمؤتمرات القومية والإسلامية التي تنعقد دورياً فتعمل وتدعو إلى العديد من النشاطات والفعاليات وتصدر البيانات المختلفة والمتنوعة وتتناول مختلف شجون وشؤون الوضع العربي القومي والإسلامي. وهذا بالإضافة إلى العديد من التجمعات والإطارات اليسارية والتقدمية العربية. أما في ما يخصّ الهجمة الإمبريالية الجديدة، فهي ليست جديدة تماماً، لأن الهجمات الإمبريالية لم تتوقف، لا قديماً ولا جديداً، على الأمة العربية. وأما في ما يخصّ فلسطين، فهي كانت ولا تزال وستبقى هدفاً لكل المحاولات الصهيونية والإمبريالية، وهذا مع ضرورة الإقرار بأنَّ هذه المحاولات زادت شراسةً هذه الأيام.. بفعل عوامل الهبوط والتفكك في الحالة الرسمية العربية.. دولاً وأحزاباً. وما حدث في القدس مؤخّراً، يسجل حالة انكفاء مخزية للحالة الرسمية العربية وصلت إلى حد التواطؤ مع الاحتلال وإجراءاته، ضد المسجد الأقصى خصوصاً، والقدس على وجه العموم.

 

− تراوح القضية الفلسطينية، منذ اتفاقية أوسلو، في أقبية مشاريع اليمين الفلسطيني والرجعية العربية، وكلها مشاريع أرضيتها إمبريالية استعمارية. ومِنْ ناحية أخرى، فقد تعرّض مناضلو الجبهة الشعبية مؤخراً للتنكيل من السلطة الفلسطينية ومن سلطة الاحتلال الإسرائيليّ، وكانت آخر مشاهد التنكيل، هذا، اعتقال النائب عن الجبهة الشعبية خالدة جرار من سلطات الاحتلال. برأيك، ما الذي تبقى لمنظمة التحرير الفلسطينية من اسمها؟ ألا تعتقدون أن بقاءكم في هذه المنظمة يعطيها شرعية يتم استخدامها لتصفية القضية الفلسطينية؟ هل تعجز القوى الوطنية الجذرية عن طرح برنامجها الوطني التحرري الخاص في مواجهة المشروع اليميني التفريطي؟

 

• ليس سراً القول إنني قد وجهت مذكرة إلى الأخ الرئيس محمود عباس، تطرقت فيها إلى كل ما جاء في هذا السؤال وبعض مما جاء فيها التالي:

 

حرصاً منا على رفع مكانة وشأن م. ت. ف ودورها القيادي في هذه المرحلة الصعبة، ولكي نرفع من شأن قضيتنا الفلسطينية بعد أن تراجعت مكانتها جراء تراجع الدور القيادي الفلسطيني ومعترك التسويات من ناحية، وفي ظل التطورات الإقليمية والدولية الراهنة من ناحية ثانية..

 

♦ إن م. ت. ف بالنسبة لنا كانت ولا تزال هي الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا الفلسطيني، وهي الإطار الجامع والموحد لشعبنا وقواه السياسية في جميع أماكن تواجده.

 

♦ والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تجدد الدعوة إلى إعادة بناء وتفعيل م. ت. ف على الأسس الوطنية والسياسية والديمقراطية، وعلى قاعدة اتفاقيات القاهرة، وذلك لاستعادة مكانتها ودورها الوطني والكفاحي أمام التحديات التي لا تزال تعصف بالحالة الفلسطينية.

 

♦ وهي تجدد دعوتها إلى إنهاء الانقسام على المستويات كافة، وضرورة تنفيذ الاتفاقيات الوطنية لإنهاء هذا الانقسام، لما ألحقه ولا يزال من ضرر بالغ بقضيتنا الوطنية ومكانة م. ت. ف فلسطينياً وعربياً ودولياً. هذا أوَّلاً.

 

وثانياً، لا يمكن للجبهة أن تساهم، أو تساعد على هدم م. ت. ف كعنوان سياسي للشعب الفلسطيني، بل هي الأحرص على بقائها كعنوان للكيان والهوية الوطنية الفلسطينية، ونحن نسأل: هل تمكّن أي من الشعوب في المعمورة من التحرر من الاستعمار الكولونيالي مِنْ دون وحدة وطنية.. م. ت. ف هي الجبهة الوطنية العريضة للشعب الفلسطيني، والتي سنحافظ عليها مع الحيلولة دون استخدامها لتصفية القضية الفلسطينية، والموضوع ليس في عجز القوى الوطنية الجذرية عن طرح برنامجها الوطني التحرري الخاص في مواجهة المشروع اليميني التفريطي، بل، م. ت. ف تعبير عن سلسلة من التوازنات الفلسطينية، كما أنها تعبر عن سلسلة من التوازنات الإقليمية والدولية، وهي بمجملها عناصر فاعلة في صوغ سياسات، وبرامج، وخطوات م. ت. ف، ولو تمكنت القوى الوطنية والديمقراطية من توحيد جهودها في ظل توافر عناصر جدية من الوحدة الوطنية الفلسطينية، يمكن بشكل ما، وبقدر ما، كبح سلوك وارتباطات اليمين المتنفذ وسياساته العبثية المختلفة، والموضوع، ليس في وجود برنامج وطني تحرري خاص للجبهة الشعبية أو اليسار، المعضلة، هي القدرة على كسر التوازنات السياسية، والطبقية والاجتماعية الفلسطينية أولاً، والتوازنات الإقليمية والدولية، التي تفرض ظروفاً واعتبارات تمكن من صوغ برامج وسياسات اليمين المتنفذ في م. ت. ف. وفي ظل الحالة العربية والإقليمية الراهنة، ليس هناك أمل كبير في إحداث تحولات جادة وجدية على سياسات اليمين المتنفذ على رأس قيادة م. ت. ف. إذا بقيت الأمور على ما هي عليه الآن.

 

لذلك نحن ندعو إلى انتخابات ديمقراطية لمؤسسات م. ت. ف جميعها، وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني (البرلمان الفلسطيني)، ونرى أن المجلس يجب أن يُنتخب من كل شعبنا داخل الوطن وخارج الوطن. ويجب أنْ يُعقد خارج الوطن وليس تحت حراب الاحتلال، ليتمكن الجميع من الحضور والمشاركة في إجراء مراجعة سياسية لمسيرة مؤسسات م. ت. ف، منذ اتفاقات أوسلو وحتى الآن، هذه الاتفاقات التي عادت بالضرر الكبير على القضية الفلسطينية وعلى حقوق شعبنا في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى ديارهم حسب قرار (194).

 

خيارنا المقاومة بكافة أشكالها، وفي المقدمة منها الكفاح المسلح. لا يمكن استعادة حقوقنا وتحرير وطننا إلا بالمقاومة. وكل المحاولات للاعتماد على الأساليب الأخرى، وخصوصاً المفاوضات والمراهنة على الولايات المتحدة، باءت وستبوء بالفشل.

 

وفي نفس الوقت يجب أن لا يفقد الشعب الفلسطيني ثقته بأمته. يجب أن يراهن على الأمة العربية وعودتها إلى اعتبار القضية الفلسطينية القضية المركزية لها. ستعود الأمور إلى نصابها آجلاً أم عاجلاً.

المقالات تعبِّر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *